الشيخ محمد رشيد رضا
244
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
هذه السورة فيما يقولون في رسولهم أوسع الاحتجاج ، وأقامت عليهم البرهان في إثر البرهان ، وقدم عز وجل على هذا السؤال والجواب ما خاطب به هذا الرسول من بيان نعمته عليه وآياته له التي كانت منشأ افتتان الناس به فقال : * * * إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا قال البيضاوي في قوله تعالى « إِذْ قالَ » : بدل من « يَوْمَ يَجْمَعُ » وهو على طريقة « وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ » - أي في التعبير عن المستقبل بالماضي - والمعنى انه تعالى يوبخ الكفرة يومئذ بسؤال الرسل عن اجابتهم وتعديد ما ظهر عليهم من الآيات ، فكذبتهم طائفة وسموهم سحرة ، وغلا آخرون واتخذوهم آلهة . أو نصب باضمار « اذْكُرْ » اه والنعمة تستعمل مصدرا واسما لما حصل بالمصدر ، والمفرد المضاف يفيد التعدد . والمعنى : اذكر انعامي عليك وعلى والدتك وقت تأييدي إياك بروح القدس الخ أو اذكر نعمى حال كونها واقعة عليك وعلى والدتك إذ أيدتك أي قويتك شيئا فشيئا بروح القدس الذي تقوم به حجتك ، وتبرأ من تهمة الفاحشة والدتك ، حال كونك تكلم الناس في المهد بما يبرئها من قول الآثمين الذين أنكروا عليها أن يكون لها غلام من غير زوج يكون أبا له - وكهلا حين بعثت فيهم رسولا تقيم عليهم الحجة ، بما ضلوا به عن المحجة . فكلامه في المهد هو قوله ( 19 : 29 إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ) الخ ما ذكر في سورة مريم وروح القدس هو ملك الوحي الذي يؤيد اللّه به الرسل بالتعليم الآلهي والتثبيت في المواطن التي من شأن البشر أن يضعفوا فيها ، قال تعالى في شأن القرآن ( 16 : 102 قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ) . وقد تقدم في موضعين من سورة البقرة ، وقال تعالى ( إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ) وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ أي ونعمتي عليك إذ علمتك قراءة الكتاب أي ما يكتب - أو الكتابة بالقلم - أي وفقتك لتعلمها ، والحكمة وهي